محمد أبو زهرة
67
زهرة التفاسير
والمرتبة الثانية : بعد أن تصغى قلوبهم إلى الحق وتنفتح بقوله والنظر في بيناته وهي إقامة الدلائل على الحق ليتبعوه عن بينة ، أو تنفتح نفوسهم وعقولهم لقبول ما تدل عليه آيات الكون وأدلة الحق وهي أماراته ، بل بيناته من سماء ذات أبراج ، وأرض ذات جبال كالأوتاد ، وزروع وثمار ، ذات بهجة للناظرين ، وأن يتدبروا في ملكوت الله تعالى وخلقه فينظروا نظرة الإدراك والاعتبار كما قال تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ( 26 ) [ الغاشية ] . هذه هي المرتبة الثانية من الهداية : وهي أن يهديهم سبحانه إلى مواضع العبر والاستدلال في آياته الكبرى في خلق السماء والأرض وما بينهما ، وفي آياته الكونية ، ما دقّ منها وما جلّ ، فهو خالق كل شيء . أما المرتبة الثالثة : فهي إرسال الرسل هداة مبشرين ومنذرين ، وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر ] وإن إرسال الرسل للهداية والإرشاد ، وتبليغ رسالته ، إنما هو لكيلا يكون على الله حجة بعد الرسل ، فهو بعد أن يخلق الخلق على الفطرة المستقيمة ، والاستعداد للعلم بالوجود ، وما فيه من أدلة على منشئ الوجود ، ثم يؤيد العلم الفطري بعلم كسبى وهو علم النبوة الذي يجيء به رسول مبين يدعو إلى الهدى بإذنه ويهدى إلى صراط مستقيم . والمرتبة الرابعة : مرتبة الوحي والكشف وتعليم الله تعالى لخلقه ، وهو ما يكون للرسل الكرام دعاة الحق والهداة إليه ، فهداية الله تعالى بالوحي ، أو إرسال رسول أو أن يكلمه الله تعالى من وراء شيء من خلقه ، كما قال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا . . . ( 51 ) [ الشورى ] .